خصوصية الحماية القضائية المستعجلة للحرية الأساسية وجوانبها       عقبات تفعيل دور المنظمات غير الحكومية في حوكمة عمليات بناء السلام       « La politique fiscale tunisienne en faveur du développement durable »       مجال تدخل قانون المطابقة (08-15) في تسوية البنايات الفوضوية       ملتقى دولي بجامعة ورقلة.       الإصلاحات السياسية وإشكالية بناء الحكم الراشد في الدول المغاربية • الجزائر أنموذجا-       حقوق المرأة بين النزعة الإيديولوجية والأطر القانونية       الجمعيات في المغرب وتونس قراءة في الواقع والتطلعات (الجزء الثاني)       السياسات العمومية في الجزائر: بين الإصلاح والاحتجاج       الإعلام الحديث والديمقراطية التشاركية : من الإدارة إلى البرلمان       النظام القانوني للجمعيات في الجزائر قراءة تقدية في ضوء القانون 12/ 06-       جودة أداء المؤسسة التشريعية من خلال تمكين المرأة سياسيا – حالة الجزائر -       السياسة العامة الصحية في الجزائر       دور الجامعة في تطوير قيم المواطنة       تطور مفهوم المواطنة عبر العصور المختلفة وفي ظل ثورات الربيع العربي       الحوكمة الانتخابية ودورها في تعزيز المشاركة السياسية في الجزائر       الناجحون في مسابقة الماجستير علوم سياسية بجامعة ورقلة2014       البروفيسور بوحنية قوية: “الإستعانة بالجيش في مكافحة شبكات التهريب سيحمي الاقتصاد الوطني”       مشاريع الماجستير المعتمدة لسنة 2013-2014 بجامعة ورقلة       تأثير التطور العلمي والتقني على حقوق الإنسان موضوع ملتقى وطني بجامعة بجاية    
 

     القائمة الرئيسية

 
 


موقع الأستاد الدكتور بوحنية قوي » الأخبار » مقالات


دور البرلمانات في عملية التحول الديمقراطي والمأسسة السياسية في الدول العربية


تتناول هذه الورقة موضوعًا من الموضوعات ذات الأهمية في عملية التحول الديمقراطي في العقود الأربعة الماضية وهو دور البرلمان في تعزيز عملية التحول الديمقراطي وبناء دولة المؤسسات. وتطرح الورقة سؤالا محوريًا هو: كيف يمكن تفعيل دور المؤسسات التشريعية في عمليات التحول الديمقراطي في الدول العربية التي تشهد حراكًا شعبيًا وسياسيًا من أجل الديمقراطية؟


 

 

دور البرلمانات في عملية التحول الديمقراطي والمأسسة السياسية

في الدول العربية

 

(ورقة بحثية مقدمة إلى: الملتقى الدولي الأول حول التطوير البرلماني في الدول المغاربية               جامعة ورقلة بالجزائر: 15-16 فبراير 2012)

 

د/ عبدالفتاح ماضي

أستاذ العلوم السياسية المساعد (المشارك) بجامعة الاسكندرية- مصر

www.abdelfattahmady.net

Abdelfattah.Mady@gmail.com

+2 01221724052

تمهيد:

تتناول هذه الورقة موضوعًا من الموضوعات ذات الأهمية في عملية التحول الديمقراطي في العقود الأربعة الماضية وهو دور البرلمان في تعزيز عملية التحول الديمقراطي وبناء دولة المؤسسات. وتطرح الورقة سؤالا محوريًا هو: كيف يمكن تفعيل دور المؤسسات التشريعية في عمليات التحول الديمقراطي في الدول العربية التي تشهد حراكًا شعبيًا وسياسيًا من أجل الديمقراطية؟

وللإجابة عن هذا السؤال، تتبع الورقة منهجية بحثية قوامها البدء من الوظائف المتعارف عليها للبرلمانات في الدول الديمقراطية ودراسة الحالات الناجحة للإنتقال في عدد من الدول، للإستفادة منها وأخذ الدروس والعبر ذات الصلة بأوضاع مجتمعاتنا العربية التي بدأت، أو على وشك أن تبدأ، في بناء دولة المؤسسات الديمقراطية، بجانب اقتراح الآليات والوسائل التي يمكن من خلالها تفعيل برلمانات هذه الدول. وسيتم هذا من خلال العودة إلى الدراسات والتقارير ودراسة الحالات التي تتناول دور البرلمانات في الدول الديمقراطية المعاصرة.      

وتتضمن الورقة مبحثين وخاتمة. يتناول المبحث الأول موضوع البرلمان والديمقراطية والتحول الديمقراطي، وفيه نتعرف على موقع مؤسسة البرلمان في نظم الحكم الديمقراطي ونظم الحكم غير الديمقراطي وفي أدبيات السياسة واهتمام باحثي السياسة المقارنة. بجانب التمييز بين عدد من المفاهيم ذات العلاقة بالتحول الديمقراطي ودور البرلمان في كل مرحلة من مراحل التحول الديمقراطي.

أما المبحث الثاني فيهتم بمعايير قياس فعالية البرلمان في النظم الديمقراطية الوليدة مع التركيز على الحالات العربية التي شهدت حراكًا سياسيًا من أجل الديمقراطية في الشهور الأخيرة، وذلك من حيث أداء البرلمان لوظائفه المتعارف عليها من تمثيل ورقابة وتشريع ومراقبة الميزانية، وانعكاسات هذا على تحسين نوعية الديمقراطية ذاتها. وهنا يتم التركيز على عدة موضوعات، أهمها صلاحيات البرلمان مقارنة بغيره من المؤسسات، البعد المؤسسي للبرلمان من الداخل من حيث التنظيم الداخلي ومن حيث شفافية المعلومات. هذا بجانب أسس النظام الانتخابي وديناميات العمل الحزبي داخل البرلمان ومدى تأثير وتأثر البرلمان بتلك الأسس والديناميات. كما يتضمن هذا الجزء دور البرلمان في عمليات المصالحة الوطنية في الدول التي شهدت صراعات مسلحة. وتتمثل منهجية تناول هذا الموضوع في دراسة  

المبحث الأول: البرلمان والديمقراطية والتحول الديمقراطي

أولا: البرلمان والديمقراطية:

للبرلمانات دور أساس في نشأة الديمقراطية وتطورها في أوروبا، وهي تقوم الآن بوظائف أساسية محددة في نظم الحكم الديمقراطي المعاصر. فمن خلالها يمكن للشعب ممارسة السلطة ومناقشة كل القضايا التي يهتم بها المواطنون، وهي أداة اتصال أساسية بين مطالب الجماهير ومؤسسات الدولة، وهي الوسيلة التي عن طريقها يمكن تمثيل كافة فئات المجتمع في مؤسسات الحكم، والمشاركة في صنع القرارات والسياسات. وهي أيضا المؤسسة التي يمكن من خلالها للشعب، وممثليهم في البرلمان، ممارسة دور الرقيب على أداء السلطة التنفيذية، والتصديق على ميزانية الدولة. ولهذا كله فالبرلمان هو المؤسسة الأم التي من خلال يحظى النظام السياسي بأكمله على شرعيته الشعبية.

غير أن المؤسسات السياسية الرسمية، ومن بينها مؤسسة البرلمان على وجه الخصوص، لم تحظ باهتمام باحثي السياسة إلا في ظل مناهج البحث التقليدية التي كانت تدور حول المناهج القانونية والشكلية في معالجة شؤون السياسة. وسرعان ما تراجع اهتمام باحثي السياسة عن المؤسسات الرسمية مع تراجع هذه المناهج التقليدية وصعود المنهج العلمي التجريبي بمفاهيمه وأداوته المتعارف عليها وكذا بروز المداخل النظرية الأخرى كمدخل الجماعة ومدخل النخبة ومداخل النسق والوظيفة والدور وغيرها وذلك في مطلع القرن العشرين.[1]

وواقع الأمر أن هذا التطور المنهجي تواكب مع تراجع دور البرلمانات، وغيرها من المؤسسات الرسمية، في عملية صنع القرارات ورسم السياسات وتصاعد دور جماعات الضغط والأحزاب ووسائل الإعلام. فقد هيمنت جماعات الضغط والمصالح وجماعات اللوبي الوسيطة، بشكل ملحوظ، على مقدرات الأمور داخل مؤسسات صنع القرارات والتشريعيات في الولايات المتحدة وغيرها من الدول الغربية الديمقراطية على وضع أفضى إلى تغيير نظرة الباحثين إلى السياسة ذاتها وتعريف علم السياسة على أنه علم الجماعات المتصارعة من أجل القوة.    

أما الظاهرة الحزبية، فقد أثرت هي الأخرى على دور البرلمانات، ففي ظل النظام الحزبي الثنائي (بمعنى في ظل هيمنة حزبين كبيرين على النظام الحزبي)، يسيطر حزب واحد على مؤسستي التشريع والتنفيذ، الأمر الذي يؤدي إلى تضاؤل دور البرلمان مقابل صعود دور السلطة التنفيذية. وذلك كما كانت الحال في بريطانيا قبل الانتخابات الأخيرة حيث يكون رئيس مجلس الوزراء هو رئيس الأغلبية في البرلمان. 

ومع تصاعد دور تكنولوجيا المعلومات ووسائل الإعلام، في العقدين الأخيرين، صارت أجهزة الإعلام الحديثة ووسائل التواصل الاجتماعي تقوم بالكثير من الأدوار التي كانت تقوم بها البرلمانات في السابق، وذلك فيما يتصل برقابة عمل السلطة التنفيذية وكشف حالات الفساد في الإدارة وفي تثقيف الجماهير وغير ذلك.[2]

ومن الأمور التي أدت إلى تراجع دور البرلمانات الوطنية في الآونة الأخيرة أيضا تصاعد دور البرلمانات عابرة الدول والقوميات، وذلك كما الحال مع البرلمان الأوروبي.[3]   

أما في الدول ذات أنظمة الحكم غير الديمقراطي، فلا شك أن البرلمانات لا تقوم بأي من الوظائف المتعارف عليها للبرلمانات، إذ ينحصر دورها في مجرد التصديق على رغبات وقرارات الحاكم. وهي، في واقع الأمر، جزء من الواجهات الشكلية التي تلجأ لها معظم الأنظمة الإستبدادية للتعامل مع الضغوط الداخلية والخارجية وتصدير واجهات ديمقراطية زائفة.  

وبرغم عدم اهتمام بعض الباحثين بالبرلمان عند حديثهم عن الديمقراطية، فروبرت دال مثلا لم يضع البرلمان ضمن معاييره السبعة للديمقراطية التي تتجاهل البعد المؤسسي في ترسيخ الديمقراطية بشكل عام،[4] إلا أن هناك باحثين آخرين اهتموا بالمدخل المؤسسي ضمن مداخل أخرى. فلاري دياموند تحدث عن القيود التي على السلطة التنفيذية من مؤسسات أخرى كالبرلمان والقضاء وأدوات المحاسبة الأخرى، وعرّف الديمقراطية بالتركيز على أهمية الفاعلين المنتخبين، القابلين للمحاسبة، وأهمية خضوع العسكريين للسلطة المنتخبة، بجانب قواعد أخرى لم يذكرها دال كحكم القانون وضمانات لحماية الأقليات.[5]

وهذا المدخل المؤسسي في بناء الدول والديمقراطية لا يهتم بمجرد القواعد والهياكل القانونية، وإنما يهتم بشكل عام بالمؤسسات كلاعبين رئيسيين ضمن أطر اقتصادية واجتماعية وثقافية، ويعالج سلوك النخب داخل أطر مؤسسية معينة وأثر هذا على النظام السياسي. أي أن الظاهرة السياسية تتأثر بالبناء المؤسسي وبالتقاليد والقواعد التي يضعها لفاعلون وتحدد وتفرض قيودًا على تحركات الأفراد وإراداتهم وحساباتهم.[6] 

ثانيا: البرلمان وظاهرة التحول الديمقراطي:

لعل من الأهمية في البداية التمييز بين عدد من المفاهيم ذات الصلة بحالات الانتقال والتحول نحو الديمقراطية في العقود الأربعة الماضية. أول هذه المفاهيم يعقب مرحلة الإنفتاح السياسي التي شهدتها الكثير من الدول،[7] وهو الإنتقال الديمقراطي (democratic transition)، أي الحالة التي يتم من خلالها تحويل السلطة من يد الحكام المطلقين إلى حكومة ديمقراطية منتخبة، أي اجتياز المسافة الفاصلة (threshold) بين أنظمة الحكم غير الديمقراطي وأنظمة الحكم الديمقراطي. وعادة ما يتحقق الانتقال بعد انهيار النظام القديم، وتوافق القوى السياسية على اختيار النظام الديمقراطي الجديد بمؤسساته وإجراءاته وضماناته المتعارف عليها.[8]

وعادة ما يتم الانتقال من خلال إجراء انتخابات ديمقراطية تنتهي بوجود مؤسسات منتخبة هي البرلمان ورئيس الجمهورية في معظم الحالات. إلا أن الوصول إلى هذا البرلمان المنتخب ليس غاية في حد ذاته، إذ يسند إلى هذا البرلمان، بمجرد وجوده، الكثير من المهام التي تعالج المشكلات التي كانت قائمة قبل الانتقال مثل تجاوزات العملية الانتخابية، أو انخفاض الوعي السياسي، أو تحيز الوسائل الإعلامية، أو بالطبع نفوذ المؤسسة العسكرية والأجهزة الأمنية.

وينقلنا هذا إلى المفهوم الثاني وهو التحول الديمقراطي (democratic transformation)، وهو عملية تمر بمراحل متعددة تختلف أبعادها من دولة إلى أخرى،[9] يتم خلالها معالجة القضايا السابق الإشارة إليها، وقد تشتمل على عمليات مرتدة تعمل في الإتجاه المعاكس، وتنتهي (في حالة النجاح) إلى حالة جديدة هي ترسيخ قواعد النظام الديمقراطي (democratic consolidation)، بمعنى الحالة التي يمكن معها القول، بقدر كبير من الثقة، أنه لا خطر على النظام الديمقراطي لا من الجيش ولا من الأحزاب ولا من الجماهير ولا من الخارج. إنها الحالة التي توصف معها النظم الديمقراطية بأنها نظم قوية أو راسخة (consolidated or established democracy).[10]

وفي هذه المرحلة يكون للبرلمان أدوارا مهمة، وذلك من خلال قيامه بسن عدد من التشريعات التي ترسي قواعد الديمقراطية الوليدة وتعالج الكثير من القضايا التي تحتاج إلى مدة زمنية ممتدة كقضايا الفساد ومسألة العلاقات المدنية العسكرية وتعديل الدساتير والأنظمة الانتخابية وموضوعات الثقافة الديمقراطية وتقوية الأحزاب ومنظمات المجتمع المدني والإعلام.

ولا شك أن انتهاء عملية التحول الديمقراطي وترسيخ الديمقراطية يختلفان عن إستقرار النظام (Stability). فقد يستقر النظام دون أن يتم ترسيخ الديمقراطية كما في روسيا التي شهدت عدة انتخابات للبرلمان وللرئاسة خلال العقدين الماضيين لكن دون انتقال ديمقراطي حقيقي نظرا لعدم وجود البنية التحتي للديمقراطية من مؤسسات سياسية مثل البرلمان والأحزاب بجانب الإعلام المستقل والمؤسسات الاقتصادية والاجتماعية الداعمة.[11] وهناك حالات أخرى قريبة من هذه الحالة كأوكرانيا وفنزويلا. وقد لا يقترن ترسيخ الديمقراطية بالإستقرار، فقد يقوم نظام ديمقراطي من نوع ما لكن مع استبعاد الأقليات كما في جنوب أفريقيا تحت الحكم العنصري والكيان الإسرائيلي منذ نشأته وحتى اليوم.[12]

وعلى الرغم مما سبق لم تهتم أدبيات التحول الديمقراطي كثيرا بدور البرلمانات، إذ عادة ما يتم التركيز على فاعلين آخرين إنْ في مرحلة ما قبل التحول (الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والثقافية وأجهزة القمع وغيرها)، أو أثناء الإنتقال من نظم حكم الفرد أو القلة (النخب والقوى السياسية والحركات الاجتماعية والمؤسسة العسكرية)، أو حتى في مرحلة ترسيخ نظم الحكم الديمقراطية (دعم المجتمع المدني وثقافة الديمقراطية وتقوية الأحزاب والمجتمع المدني ودعم حكم القانون ودولة المؤسسات). ويتجه معظم الاهتمام بدولة المؤسسات إلى بناء الأحزاب ومنظمات المجتمع المدني على وجه التحديد.[13]

غير أن الاهتمام بدور البرلمانات عاد من جديد في وقت متأخر في دول شرق ووسط أوروبا وفي أمريكا اللاتينية وظهرت الكثير من المشاريع البحثية ومشاريع الدعم المختلفة للمؤسسات التشريعية في الدول حديثة العهد بالديمقراطية.

وفي الدول العربية، لعبت البرلمانات دورًا سلبيًا في عملية الانتقال، فقد ظلت تستخدم من قبل الحكام الشموليين لإصدار قوانين وتشريعات مقيدة للعمل السياسي والنقابي، ولعل القوانين التي أصدرها النظامان التونسي والمصري قبل ثورتي 14 جافي و25 يناير لخير مثال على هذا. كما استخدمت مقاعد البرلمانات في الكثير من الدول العربية ضمن آليات الترغيب والترهيب، فالموالول يحصلون علي مقاعد برلمانية والمعارضون يمنعون منها وذلك كله بآلية انتخابات غير ديمقراطية وبطرق قمع مختلفة. 

ولهذا فقد كان من الطبيعي أن تتجاوز الجماهير هذه المؤسسات وتلجأ إلى أساليب أخرى لإسماع صوتها. ففي مصر على سبيل المثال، شكلت قوى المعارضة الوطنية برلمانًا موازيًا في أعقاب عمليات التزوير الواسعة التي تمت أثناء انتخابات 2010 والتي أسفرت عن برلمان بلا معارضة تقريبا. وفكرة إنشاء كيانات موازية ليست بالفكرة الجديدة في مصر فقد لجأت لها الكثير من القوى السياسية والنقابية منذ سنوات تعبيرا عن رفضها وغضبها من المؤسسات القائمة التي كان يسيطر عليها الحزب الحاكم آنذاك. وقد انتهى هذا الغضب الشعبي إلى ثورة جماهيرية أسقطت رأس النظام وحكومته وحلت مؤسسات الحكم الرئيسة وعلى رأسها البرلمان والمجالس المحلية والحزب الحاكم.     

ولا شك أن نجاح التحركات العربية من أجل الديمقراطية، الإصلاحية منها والثورية على حد سواء، يتطلب الاهتمام بتفعيل دور المجالس التشريعية، فالديمقراطية ليست مجرد حرية تكوين الأحزاب وإجراء الانتخابات، وإنما تتطلب بجانب ما سبق، تعزيز دولة المؤسسات وتعزيز سُبل التمثيل النيابي وقنوات المشاركة الشعبية وتفعيل أدوات الرقابة الشعبية وأدوات المحاسبة السياسية وغير ذلك. وينقلنا هذا إلى الحديث عن طرق تفعيل دور البرلمانات في تدعيم الديمقراطية ومأسسة الدولة.  

المبحث الثاني: طرق فعالية البرلمانات

ترتبط نوعية نظم الحكم الديمقراطية بفعالية المؤسسات الديمقراطية وعلى رأسها مؤسسة البرلمان. فالاهتمام بالديمقراطية الإجرائية من خلال الاهتمام بإجراء انتخابات نزيهة فقط على حساب الإهتمام بالمؤسسات، أدى في بعض الحالات إلى ضعف البرلمانات ومن ثم ضعف الديمقراطية ذاتها. وقد ساهمت عوامل عدة في هذا الأمر، أبرزها اختلال التوازن بين السلطتين التشريعية والتنفيذية من حيث الصلاحيات لصالح السلطة التنفيذية. ففي دول أمريكا اللاتينية تم اختيار النظام الرئاسي الذي يعزز سلطة رئيس الجمهورية ويُمكنه من فرض سيطرته على أجندة المجالس التشريعية. كما أن وجود نظام حزبي منقسم قد يؤدي، في حالات كثيرة ولا سيما في النظم البرلمانية، إلى درجة عالية من الإنقسام داخل البرلمان، ما يؤثر بدوره على قدرة البرلمان على القيام بوظائفه. وفي حالات أخرى يُسهم نقص الموارد الفنية والمالية وأوجه القصور التنظيمية الداخلية في ضعف البرلمان مقارنة بالسلطة التنفيذية. وحتى في الحالات التي يتم فيها تلقي دعم خارجي للديمقراطيات الوليدة، فإن جُل أوجه الدعم تذهب إلى دعم المجتمع المدني وليس مؤسسة التشريع.[14]

وتشير بعض الدراسات إلى أن عدم ثقة المواطنين في الديمقراطية ترتبط إرتباطًا وثيقًا بعدم الثقة في مؤسسات الحكم وعلى رأسها المؤسسة التشريعية. ففي أحد الإستطلاعات في أمريكا اللاتينية جاء أن نحو 25 في المائة فقط لديهم ثقة في البرلمانات، وأن أقل من 20 في المائة لديهم ثقة في الأحزاب.[15] ولا شك أن ضعف الثقة في هذه المؤسسات الوسيطة بين مؤسسات الحكم والجماهير تشير إلى تراجع فعالية هذه المؤسسات وتراجع أدائها. ولهذا بالطبع مخاطره الجمة، فقد تلجأ الجماهير إلى طرق أخرى لإسماع صوتها والتعبير عن مطالبها، وهذا ما حدث في دول الربيع العربي كما أشرنا من قبل، بل ويحدث حتى في دول أوروبا وشمال أمريكا في شكل تحركات شعبية رافضة لأداء المؤسسات السياسية ومنادية بالكثير من المطالب السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي عجزت البرلمانات الوطنية، مع غيرها من المؤسسات السياسية، عن تحويلها إلى سياسات قابلة للتنفيذ.

ومن هنا تأتي أهمية تفعيل أداء المؤسسات التشريعية في الدول العربية التي تشهد حراكًا سياسيًا من أجل الديمقراطية، وذلك من خلال المحاور التالية.  

أولا: الصلاحيات الدستورية وعلاقة البرلمان بالسلطة التنفيذية:   

ترتبط فعّالية المؤسسة التشريعية بالصلاحيات الدستورية لها، وعلاقة هذه المؤسسة بالمؤسسة التنفيذية. فلكما كانت المؤسسة التشريعية قوية كلما كان النظام الديمقراطي قويا. ولعل أهم آلية من آلأيات تفعيل البرلمان في هذا المجال هو تفعيل المحاسبة الأفقية التي تعني توفر كافة الآليات والتدابير التي تضمن أن تكون أعمال كافة المسؤولين قانونية، وأن يكون هؤلاء المسؤولون مسؤولين، ليس أمام الناخبين كما في المحاسبة الرأسية، وإنما أمام مؤسسات الدول الأخرى التي تمتلك صلاحيات قانونية ورقابية والتي منها المعارضة السياسية، وأجهزة الرقابة المالية والمحاسبية والقضائية ومكتب النائب العام ولجان التحقيق ومفوضيات حقوق الإنسان ومكافحة الفساد ومراقبة الانتخابات وغيرها.[16]

ومن الآليات التي يمكن من خلالها تفعيل المؤسسة التشريعية التوازن بين صلاحيات كل من السلطتين التنفيذية والتشريعية. ففي النظم الرئاسية، كما في الولايات المتحدة ودول أمريكا اللاتينية، تمثل المؤسسات التشريعية الجماهير مباشرة ويتراجع دور الأحزاب بشكل ملحوظ، لكن بينما هناك توازن بين صلاحيات المؤسستين التشريعية والتنفيذية في الولايات المتحدة، فإن نظم الحكم الرئاسية في أمريكا اللاتينية تتسم، بشكل عام، بسيطرة السلطات التنفيذية على المؤسسات التشريعية من خلال قيامها بمهام تشريعية وسيطرتها على الأجندة التشريعية. ولهذا لا يكون دور البرلمان إيجابيا في معظم الحالات وينحصر دوره في عرقلة بعض القوانين أو تأخيرها.[17]

وفي النظم البرلمانية ذات النظم الحزبية الثنائية، يسيطر، كما سبقت الإشارة، حزب واحد على مؤسستي التشريع والتنفيذ، ما يفضي إلى تراجع دور المؤسسة التشريعية، فرئيس مجلس الوزراء هو رئيس الأغلبية في البرلمان في الآن نفسه.[18] أما في النظم ذات النظم الحزبية التعددية، كما معظم الدول حديثة العهد بالديمقراطية، فقد يتأثر البرلمان بالسلب إذا ما ما ساد الإنقسام هذا النظام الحزبي.

وفي الدول العربية، قد يكون من المناسب تجنب النظم الرئاسية على النمط الأميركي، فهي لا تصلح للدول العربية نظرا للإرث الفردي والخوف من تشكيل مراكز نفوذ جديدة حول الرئيس الجديد. ولهذا فقد يكون تبني النظام شبه الرئاسي هو الأنسب نظرا لحاجة هذه الدول إلى انتقال سلمي واضح للسلطة لرئيس منتخب، وحاجتها، في ذات الوقت، إلى تقسيم السلطة التنفيذية بين الرئيس المنتخب والوزارة التي يجب أن يشكلها حزب (أو أحزاب) الأغلبية في البرلمان الذي يقوم بدوره بمراقبة أعمال الوزارة، ومع تحديد واضح لصلاحيات كل من الرئيس والوزارة. مع تفعيل كل أدوات المحاسبة الأفقية والرأسية.

 وقد يكون من الأهمية لبعض الدول العربية أن تتطور لاحقا إلى النظام البرلماني الذي تبنته معظم الدول التي مرت بحالات انتقال ديمقراطي ناجحة في العقود الأربعة الماضية، فهو الأفضل في تطوير حياة ديمقراطية حقيقية.

ويمكن الاستفادة من النظام السياسي في جنوب أفريقيا الذي ينتخب فيه البرلمان رئيسا للدولة من بين أعضائه (بدلا من انتخابه مباشرة من الشعب)، ويقوم الرئيس بمهام الرئيس ومهام رئيس الوزراء فهو الذي يشكل الحكومة ويكون هو ووزراؤه مسؤولين أمام البرلمان، ويجوز سحب الثقة منهم.[19]

 

ثانيا: التنظيم الداخلي للبرلمان:

وهنا يتصل الأمر ببناء القدرات الداخلية للبرلمان وعلى الأخص نظام اللجان الداخلية. وتشير التجارب السابقة إلى أن الاعتماد على النظام الحزبي في توزيع مقاعد اللجان المختلفة يُضعف من قدرات البرلمان في أداء دوره ولا سيما الدور الرقابي، وذلك كما الحال في دول أمريكا اللاتينية. وفي المقابل فإن تشكيل اللجان على أساس عنصر الكفاءة وبالتوافق السياسي بين الأحزاب السياسية يعزز قدرات البرلمان ويرفع من أدائه السياسي. كما أن وجود لجان نوعية مقابلة لكافة الوزارات في السلطة التنفيذية يسهل مهمة الرقابة والمتابعة.[20] وفي بعض الحالات، ولأجل تقوية المعارضة داخل البرلمان، يتم اشتراط تمثيل كافة الأحزاب (الأغلبية والأقلية) بالبرلمان داخل اللجان ما يدفع الأحزاب إلى التوافق والعمل المشترك، كما في النمسا وألمانيا والمجر وغيرها، بل واشتراط رئاسة حزب أو أحزاب الأقلية رئاسة بعض اللجان كما في فرنسا وليتوانيا وغيرهما. كما يمكن اشتراط أن تتوافر نسبة إجماع معينة داخل اللجنة قبل خروج المسألة للتصويت في البرلمان.[21]

وقد يساعد تبني نظام الغرفتين في البرلمان على الحد من شطط المجلس الواحد واندفاعه، كما في الولايات المتحدة وألمانيا وسويسرا وغيرها. على أن تكون للغرفة الثانية صلاحيات قوية وطريقة مختلفة لانتخاب أعضائها.

وفي تصوري تحتاج الدول العربية، فيما يتصل باللجان البرلمانية، إلى تبني كل ما من شأنه تقوية البرلمان وتعزيز التوافق والتقارب بين الأحزاب. كما يمكن التفكير في الدول ذات التركيبة السكانية المتنوعة عرقيًا أو مذهبيا (كالعراق وسوريا) أو قبليًا (كليبيا واليمن) في تشكيل برلمان من غرفتين، وبحيث يتم في الغرفة الثانية تخصيص مقاعد في البرلمان للفئات الرئيسة للمجتمع كالقبيلة والطائفة والأقليات وأي فئات مهمشة أخرى. ففي الهند، مثلا، يخصص النظام الانتخابي دوائر بعينها للمجموعات المهمشة اجتماعيًا والقبائل والفئات الفقيرة بما يتناسب مع أحجامها، مع مشاركة كافة المواطنين في الاقتراع بصرف النظر عن الفئة التي ينتمون إليها. وهناك بالطبع آليات أخرى.

كما أن البرلمانات العربية في حاجة إلى اعتماد نظام جلسات الاستماع داخل اللجان، وذلك لتعزيز فاعلية البرلمان ورفع مستوى تمثيله للجماهير. وتتنوع أساليب هذه الجلسات، فهناك لجان تستضيف الجماهير وهناك جولات ميدانية يقوم بها أعضاء اللجان، بجانب دعم الروابط بين اللجان ومنظمات المجتمع المدني والجامعات ومراكز البحوث ذات الصلة. ويمكن اشتراط إجراء جلسات استماع قبل مناقشة تشريعات معينة بالبرلمان. ومن الأمور ذات الصلة التي تعزز الروابط بين اللجان والجماهير إعداد وتوزيع أدلة توضح الإجراءات التشريعية للمواطنين وإذاعة الجلسات على محطات إذاعية وتلفزيونية وعلى المواقع الإلكترونية.[22]

ومن الأمور ذات الأهمية أيضا ضرورة وجود مكاتب أو وكالات خاصة تابعة للبرلمان تختص بجمع المعلومات والإحصاء يعتمد عليها البرلمان بديلا من اعتماده على السلطة التنفيذية، مع ضمان حرية هذه الوكالات في الحصول على المعلومات من كافة أجهزة الدولة.[23] 

وتكتسب مسألة تقسيم الوقت داخل البرلمان أهمية كبرى ولا سيما إتاحة الفرصة أمام أحزاب المعارضة والأقليات. وفي بعض البرلمانات يتم إعطاء معاملة تفضيلية لهذه الأحزاب في تقديم المشروعات وفي تحديد الأجندة التشريعية وفي ممارسة الرقابة على السلطة التنفيذية ومناقشة البرنامج السنوي للحكومة، وذلك كما هو حادث في البرلمانات الإيطالية والإنجليزية والليتوانية وغيرها. وفي السويد ودول أخرى يمنح المستقلين الفرادى الحق في طرح مشاريع القوانين.[24]   

ويعد حياد رئيس المجلس التشرعي من الأمور ذات الأهمية هنا، ولهذا يرى البعض أهمية عدم تحزبه أو تخليه عن انتمائه الحزبي بمجرد اختياره رئيسا أو انتخابه من خارج البرلمان. وفي جميع الحالات يجب توفر سمات معينة في هذا الشخص حتى يمكن أن يمارس مهامه بحياد وحتى تتاح لجميع الأحزاب حرية التعبير والمشاركة.[25]

ومن جهة أخرى، تمثل حصانة النواب ضمانة لممارسة النواب مهامهم بعيدا عن تدخل السلطة التنفيذية، وهي مهمة في مرحلتي الانتقال والتحول، غير أنها قد تستخدم من قبل بعض النواب للفساد السياسي أو لانتهاك حقوق الإنسان ومن ثم التأثير سلبًا على عملية التحول. ولهذا فمن الأفضل، قدر الإمكان، أن تمنح الحصانة بعد إزالة كافة بقايا النظام القديم وتقوية سلطة القضاء وحكم القانون. وقد عانت الدولة التركية من استخدام بعض النواب للحصانة لتحقيق مصالح شخصية في ظل وجود بعض أوجه القصور في المؤسسة القضائية.[26]

وبجانب ما سبق، تكتسب مهمة إعداد كوادر بحثية متخصصة بعمق في شؤون البرلمان والانتخابات أهمية قصوى وخاصة في الدول حديثة العهد بالديمقراطية كدولنا العربية. فمن الأهمية وجود وحدة دراسات مستقلة داخل كل برلمان على غرار وحدة البحوث في الهند (PRS Legislative Research)، ووحدة الميزانية بالكونغرس (congressional budget office)، وقسم الخدمات البحثية بالكونغرس (The Congressional Research Service)، والمركز الأوروبي للدراسات البرلمانية والتوثيق (The European Centre for Parliamentary Research and Documentation (ECPRD)) وغير ذلك. ويجب أيضا تخصيص ميزانيات للدعم الفني للعاملين وأطقم السكرتاريا بالبرلمانات.

ثالثا: ديناميات العمل الحزبي وفعالية البرلمانات:

ومن الأمور التي تؤثر على دور المؤسسة التشريعية الترتيبات المرتبطة بالنظامين الحزبي والانتخابي وبالعملية الانتخابية. فقد يؤدي نظام القائمة النسبية إلى تعددية حزبية وبرلمان أكثر تمثيلا إلا أنه أقل إنسجامًا وقدرة على العمل، أما النظام الفردي فقد يؤدي إلى برلمان أكثر انسجامًا لكن أقل تمثيلا. ولا شك أن الدول حديثة العهد بالديمقراطية تحتاج إلى برلمانات ممثلة لكافة فئات المجتمع، إلا أنها في حاجة أيضا إلى برلمانات فعّالة.

وفي الدول العربية يمكن تفعيل التوافق وبناء الإئتلافات بين الأحزاب بطرق مختلفة. فبعد سنوات من هيمنة الأحزاب الواحدة، فإن النظام الانتخابي المناسب لضمان أكبر قدر من تمثيل كافة فئات المجتمع هو نظام القائمة النسبية المغلقة، الذي يعطي كل قائمة حزبية عددًا من المقاعد يتناسب مع نسبة الأصوات التي حصلت عليها في الانتخابات، بشرط توسيع مساحة الدوائر أو اعتبار الدولة كلها دائرة واحدة. ويتيح هذا تمثيل كافة الأحزاب بما فيها الأحزاب الصغيرة، ويقلل نسبة الأصوات المهدرة، ويسمح بإمكانية التمييز الإيجابي لبعض الفئات الضعيفة سياسيًا كالمرأة والشباب والأقليات والخبراء، وذلك بإلزام الأحزاب بوضع هذه الفئات في أماكن متقدمة في قوائمها للانتخابات.[27] كما يحد هذا النظام من سطوة المال السياسي والعصبيات العائلية والقبلية إذ لا يختار الناخبون شخصيات محددة كما في نظام الأغلبية وإنما يختارون قوائم حزبية تعبر عن برامج سياسية حزبية أو ائتلافية. وفي هذا تقوية للأحزاب الوليدة وتعزيز لوعي المواطنين ومشاركتهم في مناقشة البرامج السياسية.

ويرتبط النظام الانتخابي بالنظام الحزبي، فتفعيل البرلمانات والمؤسسات الديمقراطية العربية يحتاج إلى نظام حزبي فعال، ولهذا لا بد من الاهتمام بالضوابط الكفيلة بوجود أحزاب ديمقراطية عربية فعالة وتقديم حوافز للأحزاب القائمة لإصلاح هياكلها القديمة.[28] فلئن كانت الأحزاب تنشأ نشأة واقعية وبالإخطار في كثير من الدول، إلا أن الدول حديثة العهد بالديمقراطية لا تتردد في وضع القوانين والقواعد التي تضمن ديمقراطية الأحزاب من الداخل، وشفافية مالية الأحزاب، والطابع الاندماجي للأحزاب،[29] وقيام البرامج الحزبية على أساس تحقيق المصلحة العامة للمجتمع كله، وسلمية وسائل الحزب وإيمانه بالتعددية الحزبية وحرية الرأي.

وأتصور هنا أنه يجب على القوانين المنظمة للحياة السياسية والأحزاب أن تتضمن حوافز كثيرة لظهور أحزاب ديمقراطية اندماجية منها إشتراط اختيار قادة الحزب وهيئاته العليا وكذا اختيار مرشحيه وقوائمه في الانتخابات عبر آلية الانتخابات الديمقراطية الداخلية. ووضع قواعد واضحة لمسألة تغيير الإنتماء الحزبي لأعضاء البرلمان من المنتمين لأحزاب مختلفة. هذا فضلا عن وضع نظام فعّال وشفاف لتمويل الأحزاب وللدعاية الانتخابية.[30] 

هذا بجانب دعم قدرات الأحزاب في الداخل فيما يخص تدريب الكوادر الحزبية ومرشحي الأحزاب ونوابهم في البرلمان ورفع قدراتهم ومهاراتهم في الحوار والتواصل والتفاوض واحترام الآخر. كما يمكن مساعدة الأحزاب في صياغة برامجها ورؤاها الحزبية. وتحتل مهمة بناء الإئتلافات الحزبية مكانة كبيرة ولا سيما في الدول حديثة العهد بالديمقراطية والتي تعاني من انقسامات حزبية أو تنوع سكاني.

ولا شك أن الطابع الاندماجي للأحزاب والبعد عن الإقصاء والطائفية والمذهبية أو الجهوية أمران مهمان للغاية في مجتمعاتنا العربية، فالأحزاب منظمات سياسية في المقام الأول، وتوفر الديمقراطية منظمات أخرى لخدمة المطالب الخيرية أو الفئوية أو الطائفية كجماعات الضغط ومنظمات المجتمع المدني والأهلي وغيرها.

وهناك ترتيبات مؤسسية لمواجهة احتمال أن يؤدي نظاما القائمة النسبية والتعددية الحزبية إلى تشكيل حكومات ائتلافية ضعيفة (تونس بها أكثر من مائة حزب، ومصر نحو ستين حزبا). وبداية تجب الإشارة إلى أنه ليس شرطا أن يؤدي نظام القائمة النسبية إلى حكومات ائتلافية والمثال الأبرز هنا هو جنوب أفريقيا إذ حصل حزب المؤتمر الأفريقي في انتخابات 2009 على 264 مقعدا من المقاعد الـ400 للجمعية الوطنية، وعلى 62 من مقاعد المجلس القومي للمقاطعات البالغ عددها 90 مقعدا. وبجانب أن الممارسة الديمقراطية ستؤدي إلى عدد أقل من الأحزاب إذ ستختفي أحزاب وتأتلف أحزاب أخرى مع بعضها البعض، فإن هناك ترتيبات مؤسسية ودستورية يمكن من خلالها تشجيع توافق الأحزاب وتقاربها قبل الانتخابات وداخل البرلمانات. فبجانب نظام اللجان السابق الإشارة إليه، هناك نظام القوائم غير المشروطة التي تسمح بتحالف الأحزاب وبدخول مستقلين، ويمكن منح حوافز مالية وإعفاءات ضريبية للائتلافات الحزبية. كما يمكن رفع نسبة الحسم لدخول البرلمان تشجعيا للتحالفات الانتخابية وقت الانتخابات.

وهناك ترتيبات تحد من ابتزاز الأحزاب الصغيرة للأحزاب الكبيرة عند تشكيل الائتلافات الحكومية، منها أنه في ألمانيا لا يمكن سحب الثقة من الحكومة إلا إذا توفر بديل حكومي جاهز، وفي جنوب أفريقيا تم منع الأحزاب التي يقل تمثيلها عن 5% من مقاعد البرلمان (20 مقعدا) من المشاركة في أول حكومة وحدة وطنية.

ومن الأمور ذات العلاقة هنا والكفيلة بإيجاد برلمان يعبر فعلا عن الإرادة الشعبية، ومن ثم يكون قادرا على أداء مهامه بفعالية استقلالية الجهة المشرفة على الانتخابات. وفي اعتقادي يمكن التفكير في الدول العربية في إنشاء سلطة رابعة مستقلة للانتخابات تعمل جنبًا إلى جنب مع السلطتين السياسيتين التشريعية والتنفيذية والسلطة القضائية، وتتمتع بالحصانة والمكانة التي تتمتع بها هذه السلطات. والسلطة المقترحة سلطة دائمة، ومستقلة، هيكليًا ووظيفيًا وماليًا، عن السلطة التنفيذية.[31]   

وتتمثل أهم أهداف السلطة الانتخابية في المساهمة في أن تؤدي الانتخابات وظائفها ومقاصدها الحقيقية بدلا من أن تُستخدم كواجهة شكلية،[32] مهمة الترخيص للأحزاب وتسجيلها والتأكد من ديمقراطية هذه الأحزاب من الداخل، وضع آداب وضوابط ومبادئ عامة للتأكد من نزاهة الانتخابات وعدم اختراق الفاعلين السياسيين للدستور والقانون والآداب العامة للمجتمع أو اللجوء إلى العنف،[33] المساهمة في إعادة بناء ثقة المواطنين في السياسة بشكل عام باعتبارها عملا إنسانيًا يستهدف المصلحة العامة، ويعمل على تنحية المعاني السلبية لكلمة السياسة التي جاءت لنا من الغرب والتي تعني التنافس والصراع من أجل الحصول على مصادر القوة المختلفة من سلطة وثروة ومكانة وغيرها، وبغض النظر عن الوسائل. وأتصور هنا أن أي سلطة أو لجنة للانتخابات لابد أن تجتهد في إعادة المضامين الإيجابية لكلمة "سياسة" في اللغة العربية وفي الثقافة العربية الأصيلة والتي تعني "القيامُ على الشيء بما يُصْلِحه"، والتي تتضمن معان نبيلة مثل الإصلاح والتسهيل والتذليل والرعاية..

وتتولى السلطة المقترحة عددا من المهام والوظائف، أهمها: إدارة كل الانتخابات التي تشهدها البلاد بدءًا من انتخابات رؤساء وعمد القرى والمجالس المحلية، مرورًا بانتخابات النقابات والإتحادات والأحزاب والأندية الاجتماعية والاتحادات الطلابية والغرف التجارية، وانتهاءً بالانتخابات البرلمانية وانتخاب رئيس الدولة. وربما يمكن إضافة مواقع أخرى كعمداء الكليات والمحافظين ومجالس إدارة الشركات العامة المساهمة وغير ذلك. بجانب إنجاز كافة مهام كل عملية انتخابية في كافة مراحلها قبل وأثناء وبعد يوم الانتخاب، ومن أبرز هذه المهام: تسجيل الناخبين وإعداد قوائم بأسمائهم، تلقي طلبات الترشيح للمناصب المختلفة، الإعداد الفني ليوم الانتخابات، الإشراف على إجراء الانتخابات، وإعلان نتائجها وتلقي الطعون والنظر والفصل فيها، والمساهمة في إعداد وتطوير القوانين المتصلة بالانتخابات، وذاك بمواكبة التجارب الحديثة والإستفادة منها، وتلقي تلقي إخطارات إنشاء الأحزاب السياسية والتكتلات والقوائم التي ترغب في خوض العمل السياسي والانتخابات، وكذا النقابات، وإعداد قواعد بيانات خاصة بها في مركز معلومات مركزي.

ويمكن أن تتضمن مهام السلطة المقترحة الإشراف على مدى إلتزام الأحزاب بالدستور والقانون، وعلى ديمقراطية هذه الأحزاب في تنظيماتها الداخلية، وعلى مصادر تمويل الأحزاب وجمع التبرعات لأنشطتها. فضلا عن إصدار الإجراءات والضوابط والآداب المتصلة بالانتخابات في كافة جوانبها، وخاصة تلك المتصلة بالإعلانات الانتخابية وتمويل الدعاية الانتخابية، وتحديد العقوبات الواجبة على المخالفين طبقا للقانون، وتنظيم تمويل الحملات الانتخابية والإشراف عليها ومراقبتها، وذلك حسب قانون محدد لتمويل الانتخابات يتم سنه بالبرلمان لضمان أكبر قدر من نزاهة الصوت الانتخابي وتحييد المال الانتخابي.

رابعا: تعزيز قدرات المواطنين في تفعيل البرلمان:

وبجانب تعزيز المؤسسات السياسية ذاتها، تهتم الدول حديثة العهد بالديمقراطية بتدعيم قدرات المواطنين أنفسهم وتعزيز ثقة الناس في المؤسسات الديمقراطية. وربما يحتاج الوصول إلى هذه الأهداف في الدول العربية إلى عدد من الآليات، أهمها: تدعيم المحاسبة الرأسية، وتعزيز الديمقراطية شبه المباشرة، وتنفيذ برامج تعليم مدني مكثفة.

وتشير المحاسبة الرأسية إلى قدرة المواطنين على محاسبة المسؤولين وهذا أمر يتطلب أن تتوفر كافة الضمانات والآليات التي من خلالها يلتزم المسؤولون بتقديم كل المعلومات عن اختياراتهم وقراراتهم وسياسياتهم وأسباب هذه الاختيارات والقرارت، وذلك حتى يتمكن المواطنون من فهم الشأن العام ومن مكافأة، أو معاقبة، هؤلاء المسؤولين في الانتخابات التالية. ويلعب نواب الشعب في البرلمانات الدور الرئيسي في التوسط بين الناخبين وبين مؤسسات الحكم. ففي مراحل الإنتقال يقع على هؤلاء مهمة توفير وتفعيل الآليات والضمانات اللازمة لحماية الحريات العامة، وتعزيز سبل المشاركة السياسية للناخبين، وتدعيم المنافسة السياسية للأحزاب السياسية، وذلك حتى يمكن تفعيل هذا النوع من المحاسبة السياسية.[34]

ولمعالجة تشكك بعض الشباب العربي في العمل الحزبي والبرلماني، يمكن التفكير في وسائل أخرى لتمكين الشباب، والمواطنين بشكل عام، من ممارسة السلطة، عن طريق تبني النظم الجديدة بعض مظاهر الديمقراطية شبه المباشرة، والتي هي آلية واحدة من آليات جعل الشعب سلطة رابعة[35].

فبجانب استخدام أسلوب الاستفتاء الشعبي مع وضع الضمانات اللازمة لحصره في القضايا الجوهرية ومنع إساءة استخدامه لتجاوز دور البرلمان، يمكن تبني الاقتراح الشعبي الذي يسمح للناخبين باقتراح مشروع قانون ورفعه للبرلمان لمناقشته فإذا تم اقراره أو رفضه، يعرض على الشعب لاستفتائه فيه، كما الحال في بعض الكانتونات السويسرية والدويلات الأميركية والكندية. 

ويمكن تبني أسلوب عزل الحكام إذا أخلوا بواجباتهم وإعادة الانتخابات أو إجراء انتخابات مبكرة، ويمكن تطبيق هذا الأسلوب على المحافظين المنتخبين أو حكام الولايات ونواب المحليات ونواب البرلمان، بإعطاء الجماهير الحق في طلب إجراء انتخابات مبكرة على منصب معين قبل انتهاء المدة المقررة، مع ضمان حق المطعون فيهم في دخول الانتخابات الجديدة. ففي فنزويلا، تعطي المادة 72 من الدستور المواطنين الحق في استبدال كل الأشخاص الذين يأتون إلى مواقعهم بالانتخاب بما في ذلك رئيس الدولة (كانت هناك محاولة فاشلة لخلع شافيز عام 2004(.

ولا شك أن الأمر يحتاج تدابير قوية لضمان الجدية ولمنع إساءة الاستخدام، كأن يشترط عدد كبير من التوقيعات، نسبة 10% أو 15% مثلا من إجمالي أصوات آخر انتخابات، وتحديد مدة زمنية محددة لجمع التوقيعات، واشتراط عدم تكرار نفس الموضوع خلال سنة أو سنتين وتوزيع التوقيعات على المحافظات.

 

ولهذا الأمر مزايا مختلفة إذا أحسن استخدامه، منها ترجمة طموحات الشباب في المشاركة بتوفير أسلوب سلمي دستوري أمام الناخبين للمشاركة والتعبير عن الرأي والتأثير في النقاش العام من خلال حملات شعبية ومن خارج المؤسسات والأحزاب. ويشكل هذا نوعًا من محاسبة الحكام والنواب وإشراكًا للجماهير في وضع الأجندة السياسية المطروحة.[36]

كما تسهم الديمقراطية شبه المباشرة في إعادة ثقة الناس بالسياسة، وفي تسييس المواطنين ودفعهم إلى الاهتمام بالشأن العام وزرع الأمل فيهم بإمكانية تغيير السياسات والأشخاص بطرق سلمية وقانونية. بجانب تحسين أداء الحكام ونوعية الحكم الديمقراطي، فطرح المسألة، حتى قبل جمع التوقيعات، يدفع الحكومة والبرلمان إلى الاهتمام ومراجعة الأمر.[37]

وأخيرا تكتسب عملية التعليم المدني أهمية قصوى في الديمقراطيات الوليدة. وتتضمن هذه العلمية الاهتمام بمقررات حقوق الإنسان والتربية على المواطنة وبرامج التوعية والتثقيف والتدريبـ والتي يتم خلالها نقل المعارف والمعلومات الأساسية عن البرلمان وأهميته ووظائفه وأهمية المشاركة، وغرس قيم تحمل المسؤولية والتسامح وقبول الآخر واحترام الديمقراطية والمشاركة. بجانب الكثير من الوسائل الأخرى ذات الصلة كحملات طرق الأبواب، وجولات التوعية في المناطق الشعبية، وإعداد وتوزيع الأدلة التوضيحية، ونشر الإعلانات المصورة في المحطاب التليفزيونية والمواقع الإلكترونية، وتنفيذ نماذج محاكاة، وغير ذلك.[38]

وفي اعتقادي تحتاج الدول العربية إلى إنشاء هيئات وطنية عليا للتعليم المدنى، تقدم برامج تربية سياسية مكثفة تستهدف إعادة الثقة بين المواطنين والسياسة بشكل عام، وترسخ المعانى الإيجابية لمفهوم السياسة والتى تتضمن، بجانب تأهيل المواطنين سياسيا ومساعدتهم فى استيعاب ما تمر به بلدانهم حاليا، وإكسابهم المعارف والمهارات الضرورية لتمكينهم من المشاركة الفعالة فى النظام الديمقراطى وبناء نهضة شاملة طال انتظارها، بالإضافة إلى قيام الهيئة بالإشراف على تصميم مقررات دراسية لمختلف مراحل التعليم فى مجالات التربية المدنية وحقوق الإنسان وواجباته. ولابد أن تهتم هذه البرامج أيضا بإزالة كل الآثار السلبية التى خلفتها الأنظمة الشمولية.

وأخيرا فإن وضع نظام شفاف للحصول على المعلومات أمر في غاية الأهمية مع دعم إستقلال الإعلام استقلالا تاما عن السلطة التنفيذية وتدريب الصحفيين على تغطية الجلسات البرلمانية وفتح قنوات إذاعة وتليفزيون لنقل الجلسات على الهواء ووضع برامج إعلامية لنقل أخبار البرلمان وتحليلها والتعليق عليها.[39]

 

خامسا: دور البرلمانات في عمليات المصالحة السياسية

تلعب البرلمانات مع غيرها من مؤسسات الدولة دورًا محوريًا في التعامل مع إرث النظام القديم وعلى الأخص منه انتهاكات حقوق الإنسان والتي عانت منه الكثير من الدول بشكل متفاوت كمًا في كمبوديا وسيريلانكا وتيمور الشرقية وموزبيق وسيراليون وجنوب افريقيا ومدغشقر واسبانيا والسلفادور وغيرها. ولعل الآلية الأكثر شيوعًا هنا هي آلية العدالة الإنتقالية التي أعتقد أن دولا مثل ليبيا وسوريا وربما اليمن وغيرها قد تحتاج إلبها في القريب العاجل. وتعني العدالة الإنتقالية معالجة انتهاكات الماضي بطريقة تتسم بالشمول والكلية، ومن خلال آليات مختلفة، جنائية وقضائية واقتصادية وغيرها، بجانب ترتيبات محددة لضمان عدم تكرار الانتهاكات في المستقبل، مع الأخذ في الاعتبار أن مقتضيات هذه العدالة ليست مطلقة وإنما يجب أن تتوازن مع الحاجة إلى إحلال السلام والتعايش السلمي والديمقراطية وحكم القانون.[40]

وعادة ما تتضمن آلية العدالة الإنتقالية أدوات أربع، هي: إجراء محاكمات جنائية وطنية أو دولية، تشكيل لجان وطنية أو دولية لتقصي الحقائق وجمع البيانات، تقديم تعويضات مادية ورمزية لأسر الضحايا، وإجراء إصلاحات قانونية وقضائية وسياسية. وفي بعض الحالات قد يتطلب الأمر إجراءات لنزع السلاح وترتيبات لمصالحة وطنية بين الفرقاء السياسيين.[41]

وعلاقة البرلمان بهذه الأمور علاقة وثيقة. فمن جهة، ولأن البرلمان يعتبر ممثلا للمجتمع ومنبرًا لمناقشة القضايا العامة، فبإمكانه المساهمة في عمل لجان تقصي الحقائق من خلال وضع التشريع الخاص بها والمساهمة في اختيار أعضائها وفي توفير الدعم المالي المطلوب لها. والأهم من كل هذا، المساهمة في تنفيذ توصيات ومقترحات هذه اللجان. ونظرا للعقبات التي تواجه عملية التنفيذ، فإن الشائع هو إنشاء لجان للمتابعة وتقديم تقارير دورية عن أداء الحكومة في التنفيذ كما حدث في سيراليون. والشائع هو تشكيل السلطة التنفيذية هذه اللجان، إلا أن البرلمانات شكلت عددا منها كما في حالات ألمانيا عام 1992، وجنوب افريقيا 1995، وسيراليون 2000 وغانا 2002، والبارغواي 2003.[42]

ومن جهة أخرى، للبرلمان مهمة أخرى ذات صلة هي إحياء ذكرى الضحايا وتقديم التعويضات عن طريق سن القوانين اللازمة كما حدث في تشيلي مع قانون 1991 والذي قدم منافع مادية ومعنوية لآلاف السجناء السابقين وأسر الضحايا.[43]

أما الدور الأهم فهو الإصلاحات التشريعية والقضائية التي تحمي الديمقراطية الوليدة وتعزز دولة المؤسسات وحكم القانون، ومن ثم تحول دون تكرار الانتهاكات في المستقبل. وتحتل مهمة إصلاح المؤسسة القضائية الأولية القصوى وتتضمن هذه المهمة أمورا مثل خلق هيئات لمراقبة عمل الشرطة ومفوضيات لحقوق الإنسان ومؤسسات لمكافحة الفساد وتنفيذ برامج لتدريب ضباط الشرطة والجيش والقضاء ورجال النيابة ليتحولوا من رجال قمع إلى رجال دولة لخدمة الشأن العام وإصلاح مناهج التعليم المدني والمواطنة وإصلاح أنظمة المرتبات والمكافآت والتعيينات والترقيات وإستقلال الإعلام وحرية الحصول على المعلومات وحماية الأقليات وغير ذلك. وذلك بالإضافة إلى القيام بعمليات لتخليص مؤسسات الدولة تدريجيا من العناصر الفاسدة مع الحرص على أن يتم هذا بشكل قانوني وبإجراءات قضائية سليمة، وتجنب عمليات التطهير السريعة كالتي حدثت في وسط وشرق أوروبا والعراق.[44]  

كما يجب الإنفتاح على الخارج والتقيد بالمعايير الدولية ذات الصلة بحقوق الأنسان بما لا يتناقض مع أسس الثقافة الوطنية، بجانب تعزيز سبل التعاون مع المنظمات الإقليمية والدولية العاملة في مجال حقوق الإنسان، ودعم شبكة التواصل والتعاون مع البرلمانات على المستويين الإقليمي والدولي.   

خاتمة

طرحت هذه الورقة سؤالا محوريًا هو: كيف يمكن تفعيل دور المؤسسات التشريعية في عمليات التحول الديمقراطي في الدول العربية التي تشهد حراكًا شعبيًا وسياسيًا من أجل الديمقراطية؟ وقد عالجت الورقة هذا السؤال بتناول موقع المؤسسة التشريعية في الدول الديمقراطية المعاصرة ودورها في مراحل التحول الديمقراطي المختلفة. وقد انتهت الورقة إلى أن للبرلمان أدوارا محورية في مرحلة التحول الديمقراطي تتمثل في الأساس في وضع أسس دولة المؤسسات الديمقراطية من آليات وقوانين وتشريعات وضمانات لحماية الحريات وتعزيز سبل المشاركة السياسية وتفعيل مؤسسات الدولة. كما تسهم البرلمانات في معالجة قضايا التحول الديمقراطي طويلة المدي كقضايا رفع الوعي والتثقيف ومسألة العلاقات المدنية العسكرية وتفعيل الأحزاب والمجتمع المدني وإعادة تأهيل الجهاز الإداري للدولة وغير ذلك.

وانتهت الدراسة في جزئها الثاني إلى أبرز طرق تعزيز فعالية البرلمان، والتي تتضمن تحقيق التوازن بين صلاحيات المؤسسة التشريعية والمؤسسة التنفيذية وتفعيل آليات المحاسبة الأفقية وتفعيل التنظيم الداخلي للبرلمان ولا سيما نظام اللجان النوعية واعتماد نظام فعال للإستماع والتقيد بالمهنية في إدارة الجلسات وإنشاء مراكز بحثية متخصصة في الدراسات البرلمانية. هذا بجانب تبني أنظمة انتخابية وحزبية تشجع الطابع الإندماجي للأحزاب وتعزز التوافق بين الأحزاب وبناء الإئتلافات الحزبية الواسعة وتضمن تمثيلا أوسع لكافة فئات المجتمع. واقترحت الورقة إنشاء سلطة رابعة مستقلة للانتخابات لأجل ضمان الوصول إلى برلمان يعبر فعلا عن الإرداة الشعبية ولأجل إعادة الثقة في السياسة بشكل عام.

كما خلصت الورقة إلى التأكيد على أهمية تعزيز قدرات الناخبين في تفعيل البرلمان، وذلك من خلال تعزيز طرق المحاسبة الرأسية والأخذ ببعض مظاهر الديمقراطي شبه المباشرة وتعزيز برامج التعليم المدني وتفعيل أدوات التنشئة السياسية المختلفة، واقترحت الورقة إنشاء هيئة عليا للتعليم المدني في كل الدول العربية، التي ي في أمس الحاجة إلى كل الجهود الكفيلة بإيجاد المواطن المسئول، أى المواطن المهتم بقضايا مجتمعه، والمدرك لمسئوليته الاجتماعية، والقادر على المشاركة فى الشأن العام.  

ومن الأمور التي تحتاج إلى مزيد من البحث والدراسة وسائل قياس فعالية البرلمانات. وهنا يجب دراسة تجارب الدول الأخرى في قياس اتجاهات المواطنين تجاه أداء المؤسسات التشريعية بإستخدام استطلاعات الرأي واستطلاع رأي الخبراء ورأي النواب أنفسهم، بجانب قياس رؤى المؤسسات الأخرى ذات الصلة، وغير ذلك من أدوات.

ولا شك أن تفعيل البرلمانات في الدول العربية حديثة العهد بالديمقراطية من الأمور التي لابد أن تواكبها مهام أخرى ذات صلة تصب كلها لصالح هدف إنشاء وتفعيل دولة المؤسسات الدستورية التي تعمل للصالح العام وليس لصالح فرد أو مجموعة من الأفراد، والتي منها إصلاح مؤسسة القضاء، الاهتمام بتنمية مهارات القيادة والعمل العام وخلق كوادر سياسية، تقوية مؤسسات الرقابة والمتابعة، الاهتمام بإعداد كوادر بحثية متخصصة في الشؤون السياسية ذات الصلة كشؤون البرلمان والأحزاب والمجتمع المدني والأمن القومي والعلاقات الدولية والإتصال السياسي وغير ذلك.    

 

[1] Alam C. Isaak, Scope and Methods of Political Science (Chicago: the Dorsey Press, 1985), 3-7 and Gary King, Robert O. Keohane and Sidney Verba, Designing Social Inquiry: Scientific Inference in Qualitative Research (Princeton: Princeton University Press, 1994), 3-12.

[2] David Beetham, Parliament and Democracy in the Twenty-first Century: A Guide to Good Practice (Inter-Parliamentary Union, 2006), 6.

[3] انظر في شأن علاقة البرلمان الأوروبي بالبرلمانات القومية:

Neunreither, Karlheinz, "The European Parliament and National Parliaments: Irreconcilable Rivals, Possible Partners, or Just Dinosaurs?" European Union Studies Association (EUSA), Biennial Conference, 1999 (6th), June 2-5, 1999, (http://aei.pitt.edu/2345/) and Myrto Tsakatik, "The European and National Parliaments after the European Convention: Allies or Adversaries?" Paper to be presented at the Third Pan-European Conference on EU Politics, ECPR - Standing Group on the European Union, section EU Institutions and Politics, 21 to 23 September 2006, Istanbul, Turkey, (http://www.jhubc.it/ecpr-istanbul/virtualpaperroom/017.pdf).

 

[4] Robert Dahl, On Democracy (Yale University Press, 1998).

[5] Larry Jay Diamond, Developing Democracy: Toward Consolidation (The Johns Hopkins University Press, 1999), 1-15.  

[6] See: Douglass C. North, "Institutions," The Journal of Economic Perspectives, Vol. 5, No. 1. (Winter, 1991), pp. 97-112, James March and John Olson, "Institutional Perspectives," in Bernard E. Brown, Comparative Politics: Notes and Readings (Fort Worth: Harcourt College Publishers, 2000), 332-342, Guy B. Peters, Institutional Theory in Political Science, 2nd Edition (Continuum, 2005), Hall, P. and R. Taylor, Political Science and the Three New Institutionalisms," Political Studies 44 (1996): 936-957, and Sven Steinmo, "The New Institutionalism," in Barry Clark and Joe Foweraker, (eds.) The Encyclopedia of Democratic Thought (London: Routlege, 2001)

[7] Michael Bratton and Nicholas  De Walle, Neopatrimonial Regimes and Political Transitions in Africa," World Politics, Vol. 24, No. 4, July 1995. 460 

[8] See: Laurence Whitehead, Democratization: Theory and Experience (Oxford: Oxford  University Press, 2002), 26-35.

[9] Doh Chull Shin, "On the Third Wave of Democratization: A Synthesis and Evaluation of Recent Theory and Research," World Politics (1994) Volume: 47, Issue: 2, 144-145 and Ronald A. Francisco, The Politics Of Regime Transitions (Westview Press, 1999), 142.

[10] Shin, 121-139.

 

[11] Alfred B. Evans, "The failure of democratization in Russia: A comparative perspective," Journal of Eurasian Studies, 2 (2011), 40-51.

[12] Dean McHenry Jr., Abdel-Fattah Mady, "A critique of quantitative measures of the degree of democracy in Israel," Democratization, Volume: 13, Issue: 2 (2006), 257-282.

[13] Fernando Carrillo-Flórez and Dennis P. Petri, Quality of Democracy and Parliamentary Reform in Latin America: How Europe Can Help (International Institute for Democracy and Electoral Assistance 2009), 3-4.

[14] Ibid, 3.

[15] Guidebook on Strengthening the Representative Capacity of Legislatures, A background paper for a UNDP Staff Training Seminar "Strengthening the Legislature - Challenges and Techniques" Brussels, October 22 - 24, 2001, 1.

[16] Andreas Schedler, Larry Jay Diamond, Marc F. Plattner, The self-restraining, state: power and accountability in new democracies (Lynne Rienner Pub, 1999), 29, Larry Diamond and Leonardo Morlino, "The Quality of Democracy: An overview, Journal of Democracy, Volume 15, Number 4 October 2004, 25-26, and William Case, Executive accountability in Southeast Asia: the role of legislatures in new democracies and under electoral authoritarianism (Honolulu, HI: East-West Center, 2011), ??.   

[17] Carrillo-Flórez and Petri, Ibid, 10.

[18] انظر في هذا الشأن:

Fabrice E. Lehoucq, "Can Parties Police Themselves? Electoral Governance and Democratization," International Political Science Review 2002 23: 29

[19] انظر الموقع الإلكتروني للحكومة في جنوب افريقيا (http://www.info.gov.za/aboutgovt/index.htm).

[20]  David Beetham, 28-38.

[21] انظر في شان اللجان البرلمانية:

Joseph M. Colomer, Political Institutions in Europe, 2nd edition (New York: Routledge, 2002) and Legislative Committee System, Parliamentary Strengthening Reference Material, UNDP's "Magnet" website (http://mirror.undp.org/magnet/Docs/).  

[22] Guidebook on Strengthening the Representative Capacity of Legislatures, Ibid, 12-13.

[23] Carrillo-Flórez and Petri, 13-14.

[24] Beetham,

[25] Beetham,

[26] انظر في شأن الحالة التركية:

Simon Wigley,  "Parliamentary Immunity in Democratizing Countries: The Case of Turkey," Human Rights Quarterly (August 2009), 31 (3), pg. 567-591 

[27] بخصوص وضع النساء في البرلمانات، انظر:

Julie Ballington and Azza Karam (Eds.), Women in Parliament: Beyond Numbers, The International IDEA Handbook Series (Stockholm: International Institute for Democracy and Electoral Assistance 2005).

[28] انظر في شان إعادة هيكلة الأحزاب القديمة:

Michelle M. Taylor-Robinson, "Old Parties and New Democracies: Do They Bring out the Best in One Another?" Party Politics 2001 7: 581.

[29] انظر في شأن الأحزاب الإندماجية:

Michelle Hale Williams, "Catch-All in the Twenty-First Century? Revisiting Kirchheimer's Thesis 40 Years Later : An Introduction," Party Politics 2009 15: 539 and William Safran, "The Catch-All Party Revisited : Reflections of a Kirchheimer Student," Party Politics 2009 15: 543. 

[30] Steven Griner and Daniel Zovatto (Eds.), Funding of political Parties and Election Campaigning in the Americas (The Organization of American States (OAS) and the International Institute for Democracy and Electoral Assistance (International IDEA), San José, Costa Rica, 2005).  

[31]  هذا المقترح يستند إلى فكرة القوة الانتخابية الموجودة في الدستور البوليفاري في فنزويلا ولجنة الانتخابات المستقلة في الهند واللجان المستقلة للانتخابات في دول أخرى مثل كندا واستراليا والبرتغال والبرازيل وكولومبيا وغيرها. وللدكتور الفاضل هيثم مناع فضل كبير يجب الإعتراف به وتقديره في توجيه نظر الكاتب إلى أهمية الإطلاع على التجربة الفنزويلية، وذلك أثناء جلسات اللقاء السنوي لمشروع دراسات الديمقراطية في البلدان العربية الذي عُقد في جامعة أكسفورد في أغسطس 2007. انظر في شأن هذه المناقشات: مداخلة الدكتور مناع في: علي خليفة الكواري (محرر)، الانتخابات الديمقراطية وواقع الانتخابات في الأقطار العربية (مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 2009)، ص 62، 64-65.

[32]  انظر في شأن هذه الوظائف: عبدالفتاح ماضي، "متى تكون الانتخابات ديمقراطية؟" المجلة العربية للعلوم السياسية، مركز دراسات الوحدة العربية والجمعية العربية للعلوم السياسية، بيروت، العدد 16، خريف 2007. ص 61-80.

[33]  يمكن الأستفادة هنا من الكثير من المواثيق الدولية وإصدارات عدد من الهيئات الدولية. منها على سبيل المثال:

Code of Conduct for the Ethical and Professional Administration of Elections (Stockholm, Sweden: International IDEA, 1997), and Code of Conduct for the Ethical and Professional Observation of Elections (Stockholm, Sweden: International IDEA, 1997).

[34] Larry Diamond and Leonardo Morlino, "The Quality of Democracy: An overview, Journal of Democracy, Volume 15, Number 4 October 2004 , 25.

[35]  انظر في شأن الديمقراطية المباشرة:

Direct Democracy, The International IDEA Handbook Series (Stockholm: International Institute for Democracy and Electoral Assistance, 2008), Jan Nederveen Pieterse, "Participatory democratization reconceived," Futures 33 (2001) 407-422.

[36] عبدالفتاح ماضي، "الشباب والدستور والديمقراطية شبه المباشرة،" جريدة الشروق المصرية، 25 سبتمبر 2011.

[37] المرجع السابق.

[38] Carrillo-Flórez and Petri, 21-23.

[39] Ibid, 24-25.

[40] انظر:

Mark Freeman, Making Reconciliation Work: The Role of Parliaments (the Inter-Parliamentary Union and the International Institute for Democracy and Electoral Assistance, 2005), 8-10.

[41] Ibid, 10-18.

[42]  Ibid, 19-20.

[43] Ibid, 14.

[44] Ibid, 16.

 



المشاركة السابقة : المشاركة التالية


     تسجيل الدخول



المستخدم
كلمة المرور

إرسال البيانات؟
تفعيل الاشتراك
 
 

     محرك البحث





بحث متقدم
محرك البحث google
Custom Search
 
 

     الحكمة العشوائية


قال تعالى:{كُلُّ نفسٍ بِمَا كَسَبَت رَهِينَةٌ}

 
 

     التقويم الهجري

الخميس
26
رمضان
1435 للهجرة
 
 

     السيرة الذاتية

 

 
 

     القائمة البريدية

 
 

     إحصائيات

عدد الاعضاء: 308
مشاركات الاخبار: 205
مشاركات المنتدى: 1
مشاركات البرامج : 20
مشاركات التوقيعات: 23
مشاركات المواقع: 1
مشاركات الردود: 28

 
 

     المتواجدون حالياً

من الضيوف : 4
من الاعضاء : 0
عدد الزيارات : 746303
عدد الزيارات اليوم : 222
أكثر عدد زيارات كان : 14816
في تاريخ : 12 /08 /2013

 
 
 
 
         

الصفحة الأولى | الأخبار | مركز التحميل | دليل المواقع | المنتدى | سجل الزوار | راسلنــا

Copyright© 2009 بإستخدام برنامج البوابة العربية 2.2